محمد الغزالي
230
فقه السيرة ( الغزالي )
وانكشف وجه الجد في الأمر ؛ إنّ اللقاء المرتقب سوف يكون مرّ المذاق ، لقد أقبلت قريش تخبّ في خيلائها ، تريد أن تعمل العمل الذي يرويه القصيد ، وتذرع المطايا به البطاح ، وتحسم به صراع خمسة عشر عاما مع الإسلام ؛ لتنفرد بعدها - الوثنية بالحكم النافذ . ونظر الرسول صلى اللّه عليه وسلم حوله ، فوجد أولئك المؤمنين بين مهاجر باع في سبيل اللّه نفسه وماله ، وأنصاري ربط مصيره وحاضره بهذا الدين ، الذي افتداه ، واوى أصحابه ؛ فأحبّ أن يشعر القوم بحقيقة الموقف ، حتى يبصروا - على ضوئه - ما يفعلون . إنّ المرء قد تفجؤه أحداث عابرة - وهو ماض في طريقه - يحتاج في مواجهتها لأن يستجمع مواهبه ، وأن يستحضر تجاربه ، وأن يقف أمامها حادّ الانتباه ، مرهف الأعصاب ، وهذه الامتحانات المباغتة أدقّ في الحكم على الناس ، وأدلّ على قيمهم من الامتحانات التي يعرفون ميعادها ، ويتقدّمون إليها واثقين مستعدين ، والمسلمون الذين خرجوا لأمر يسير ، ما لبثوا أن ألفوا أنفسهم أمام امتحان شاقّ ، تيقظت له مشاعرهم ، فشرعوا يقلّبون - على عجل - تكاليفه ونتائجه ، وثار منطق اليقين القديم ، فأهاج القوم إلى الخطة الفذة التي لا محيص عنها لمؤمن . استشار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الناس ، فقام أبو بكر الصديق ، فقال وأحسن ، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن ، ثم قام المقداد بن عمرو فقال : يا رسول اللّه ! امض لما أراك اللّه فنحن معك ، واللّه لا نقول لك ما قال بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربّك فقاتلا ، إنا ههنا قاعدون ، ولكن اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون ، فوالذي بعثك بالحقّ ؛ لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتّى تبلغه ! ! . فقال له الرسول صلى اللّه عليه وسلم خيرا ودعا له . ثم قال : « أشيروا عليّ أيها الناس » ، وإنّما يريد الأنصار ، وذلك أنّهم كانوا عدد الناس ، وأنّهم حين بايعوه بالعقبة ، قالوا : يا رسول اللّه ! إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا ، فإذا وصلت إلينا ، فأنت في ذمتنا ، نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا . فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتخوّف ألّا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممّن